بحث

لماذا الحياة قاسية؟ وكيف يمكنني التعامل معها؟




وردني سؤال يقول:


لماذا نشعر أننا حزانى ووحيدين؟ لماذا هذه الحياة قاسية؟

لماذا يكون الجميع ضدنا. نحن نشعر أحيانا أن الجميع يريدون شيئاً منا، وعلاقتهم بنا هي لحاجة يحتاجونها هم منّا دون التفكير بمشاعرنا واحاسيسنا. في مثل هذه الحالة، كيف يمكن لنا التصرف؟ كيف نتعامل مع هذه الآلام؟


الكثير من الناس، من خلال تجربتهم الشخصية، تكون الحياة بالنسبة لهم على النحو التالي: أنا هنا، والعالم الاخر هناك. وهذا يعني أنا في مواجهة العالم.


ولكن أن تجعل نفسك في منافسة مع العالم من حولك هو أمر غير منطقي تماماً. هذه ليست المنافسة المناسبة لنا لندخل فيها. أنا في مواجهة العالم هي حالة غير طبيعية وستكون نتائجها سيئة بلا شك.


كيف يمكن لك مواجهة العالم؟


أنت في مواجهة العالم هي حالة نفسية وليست الواقع الفعلي كما يقول المعلم "ساد غورو" الذي نقتبس هنا كلماته. حتى عندما تشعر أنك وحيد، أنت لازلت تتنفس، أليس كذلك؟ هذا يعني أنك تتبادل الحياة مع العالم. لربما أنت على علاقة سيئة مع من حولك، ولكن أنت تتنفس، ولست في مشكلة على الأقل في المكان المحيط حولك. أنت من خلال تنفسك لا تتصارع مع الجو من حولك وإنما تتبادل عمليات حيوية بشكل مستمر منذ الولادة وحتى الموت. أنت لديك غذاء وماء لهذا اليوم، تأخذ الغذاء والماء وجسدك يحصل على ما يحتاج. أنت لست في صراع مع العالم أنت في عملية تبادلية متواصلة وتحيا مع العالم.

البعض يشعر أنه في مواجهة دائمة مع الآخرين. الآخرون أحيانا يمكن أن يكونوا المسببين لآلامنا. لكن في الواقع، الأمر ليس على هذا النحو. الألم الذي نشعر به بسبب تصرفات الآخرين هو في ردة فعلنا نحن تجاه ذلك التصرف. إذن يمكن أن يكون الآخرين هم من يثيرون أو يوقظون الألم فينا. أين هذا الألم؟ إنه بداخلنا. السبب قد يبدو أنه من الآخرين، ولكن بنظرة فاحصة ومقربة، سنجد أن الألم يكمن في ردة فعلنا، أو غضبنا أو رفضنا النفسي لما قام به شخص آخر. قد يكون الآخر مخطئ أو جاحد أو غير وفي، هذا يحدث، فنحن بشر، ولكن، هكذا هو، ولست أنت. أنت هنا وهو هناك. هو يحمل مشاعر سلبية فلماذا تحمل أنت ردة فعل سلبية تجاه ذلك.

قد تقول، ولكن أنا إنسان ولدي مشاعر، ولا شك سأغضب أو أحزن بسبب تصرف هذا الشخص، لا يمكن أن أعيش بلا مشاعر.

ونقول المشاعر تظهر ولكن علينا أن نسارع ونوجد مسافة بيننا وبينها. أن ندرك أن ردة فعلنا الحزينة والغاضبة يمكن أن تحدث، ولكن علينا الاستجابة الواعية والهادئة قدر الإمكان وتقبُّل ذلك. بتغيير وجهة نظرنا يمكن لنا تحويل ردة الفعل إلى استجابة حكيمة وواعية ومنطقية. قد لا يحدث ذلك في نفس اللحظة، ولكن مع الوقت نستطيع بلوغ هذه الدرجة من الاستجابة المُتَّزنة. كلما سارعنا وأدركنا أن ما يحدث هو ردة فعل ذهنية ونفسية وأننا نراقب أنفسنا تمر في هذه الحالات كلما خفّفنا من حدة الألم.


علينا كذلك أن لا نسارع وننتقد ونلوم الآخرين و أنفسنا، ونقول: لماذا فعل كذا، ولماذا أنا أشعر بهذا الشعور السلبي. هذا أيضاً بدوره ردة فعل كذلك. علينا تقبُّل ما يحدث والتعامل معه برويَّة وصبر.

نحن نبحث عن السعادة في العالم الخارجي، في الظروف المحيطة وأحيانا نبحث عن السعادة عند الآخرين. لدينا أفكار متخيلة أن الحياة ستكون سعيدة وجميلة حين ارتبط في علاقة عاطفية أو زوجية مع شخص ما. لكن الواقع يقول غير ذلك.


بسبب طبيعتنا البشرية نحن نتجه بحواسنا ومشاعرنا إلى الخارج ولا ننظر إلى الداخل. في الحقيقة أن كل ما نبحث عنه في الخارج يوجد بداخلنا. الشخص الذي تتمنى أن تكونه هو أنت الحقيقي الذي بداخلك ولكن تحجبه عنك الأنا أو الإيغو والأفكار والمشاعر.

أنت الروح هو الوعي الذي بداخلك والذي يوجد فيما وراء شخصك، وأفكارك ومشاعرك. لكنك تنظر إلى الخارج. إلى الجهة الخطأ.

هذا يستدعي بحثك عن ذاتك الحقيقية. وهي رحلة تغيير ينبغي أن تبدأها إذا اردت السعادة والطمأنينة والسلام الداخلي. هذه الرحلة عليك أنت أن تبدأ بها وتستكشفها بالتجربة العملية وليس فقط بالتخيل والانتظار.


في الحياة يتحكم فينا شعور: "أريد هذا ولا أريد هذا". كلنا يريد السلام ولكن إذا حدثت الحرب، تكون قد حدثت، وعلينا المسارعة إلى إطفاء نارها. كذلك، إذا كنا في حالة من الطمأنينة والسعادة فعلينا إدراك أنها هي أيضاً حالة وقد تمر ويأتي ما يعكر صفو الحياة من حولنا. الحياة لا تمضي من خلال أريد هذا ويجب أن يحدث، ولا أريد ذلك ويجب أن لا يحدث. الحياة باختصار: تحدث، بحلوها ومرها. الحياة هي الحياة ذاتها وليست في التفضيلات التي لديّ. هذه هي الأفكار والمشاعر التي تمت تربيتنا عليها وتهيئتنا من خلالها


تكمن المشكلة إذن في أن عقلك، أو ذهنك، أو أفكارك هي التي تكون ضد العالم. إذا دخلت في حالة نفسية أنك في صراع مع العالم، فلا شك ستشعر أنك تتألم، حتى من الأشياء الصغيرة. عندما نقول أشياء صغيرة، مثل كلمة مؤلمة من صديق، أو خطأ في مكان العمل، أو أي من صعوبات الحياة. هذه أشياء تحدث.

نحن نتحدث عن حالة نفسية، عن أحاسيس، مشاعر. متى سنصل إلى مرحلة إدارة حالاتنا النفسية، ومشاعرنا؟


لربما هنا تكمن أكثر مصاعب العالم.


نحن نحمل كل ذكرياتنا معنا طوال الوقت. ألم مضى عليه سنوات يعود من خلال قصة تدور في الذاكرة فنتألم. نحن لا نتألم من الحياة نحن نتألم بسبب قصة تُستعاد في الذاكرة. هناك أمر ما في حياتك سيحدث بعد أسبوع، ولكنك تبدأ بالتوتر منه، الان، قبل أن يحدث. هو لم يحدث بعد، إلا خيالك هو الذي يجعله يحدث قبل وقته. لماذا لا يمكنك الصبر حتى الأسبوع القادم؟ أنت تتوتر ليس من الأمر ذاته بل بسبب خيالك.


من جانب آخر نحن لا نستطيع إجبار عقلنا بالقوة على التفكير كما نريد أو كما يحلو لنا. إذا حاولنا التركيز على ضرورة أن نشعر بشعور حسن، فإن العقل لديه القدرة على العمل ضد رغبتنا وسيجعلنا نشعر بمشاعر سيئة. كل ما نفكر فيه هو الذي يسيطر على العقل.

إذا قلت لك الآن لا تفكر في أنك تقف أمام البحر خلال 10 ثواني، فإن كل ما ستراه في خيالك هو أنك تقف أمام البحر.


ما الحل إذن؟ كيف ندير أفكارنا ومشاعرنا؟


من أهم طرق إدارة أفكارنا ومشاعرنا هو إيجاد مسافة بين أنفسنا كوعي وبين الأفكار والمشاعر بحيث نتمكن من مراقبتها بشكل محايد. هذه المسافة ضرورية حتى نتمكن من الإدراك الحقيقي أننا لسنا نحن أفكارنا ومشاعرنا وإنما هي عمليات ذهنية ونفسية تحدث بداخلنا. في المسافة التي يجب أن تخلقها أنت على وعي وإدراك ويقظة لما يمر في بالك من مشاعر. حين تصل إلى هذا الشعور تكون قد قطعت شوطاً كبيرا في إدارة المشاعر.


حين توجد هذه المسافة أنت تقلل من الضغط النفسي الذي تتركه المشاعر فيك. في هذه المسافة أنت موجود فيما وراء الأفكار وفيما وراء المشاعر. أنت موجود وتراقب هذه العمليات العقلية والنفسية بداخلك. أنت تركز على عمليات الحياة بداخلك. وبشكل طبيعي سوف تشعر بهذه المسافة بينك أنت كوعي وبين الجسد والعقل، بينك وبين الأفكار والمشاعر. هذا بحد ذاته يفتح الباب للتخلص من المشاعر السلبية والتوتر والألم.


هذه العملية تحتاج إلى الوقت الكافي لكي نتعود عليها وإلى الصبر لأننا مبرمجين منذ الطفولة على أننا نحن ما تقوله لنا عقولنا وأفكارنا ومشاعرنا، ونحن نتماهى كذات معها إلى درجة كبيرة، فلا نفرّق بينها وبين روحنا الداخلية. لهذا نحتاج الوقت لإعادة البرمجة والصبر لتهيئة أنفسنا لنفكر ونشعر بشكل مختلف عما تعودنا عليه طوال عمرنا.


البعض ممن لا يستطيعون إدارة الأفكار والمشاعر يلجؤون إلى حلول مؤقتة. يمكن أن تكون الانغماس في العمل ومحاولة تجاهل المشاعر النفسية. البعض يمارسون رياضات عنيفة للنسيان، وآخرون يمكن أن يلجؤوا إلى المهدئات أو المواد المسكرة. كل هذه الحلول ما هي إلا حقن مؤقتة لإخفاء الألم الذي لا يلبث إلا أن يطفوا على السطح ويجعلنا نتألم مرة أخرى. هذه محاولات يائسة للهرب واسكات صوت الشقاء. كل هذه الطرق تعالج ما يطفو على السطح ولا تتوجه إلى عمق أو جذور المشكلة.


لكننا حين نجلس مع أنفسنا، ونحتضن كل ما بداخلنا، ونقرر تغيير نظرتنا إلى أنفسنا وما نمر فيه من حالات نبدأ أول الطريق للتحرر من الشقاء. حين نجلس مع أنفسنا ليس علينا عمل أي شيء سوى أن نسترخي، وأن نركز على شيء واحد. يمكن أن نركز على تنفسنا، أو على النبض الذي نشعر به في جسدنا، أو على أحاسيس الجسد بالمكان أو الأصوات المحيطة بنا. يمكن أن نركز فقط على أننا أحياء، هنا والآن.

الجلوس لدقائق والتركيز على طاقات الحياة فيك، طاقة التنفس، طاقات الحواس، طاقة الدورة الدموية، سيساعدك على إيجاد المسافة التي تحدثنا عنها بينك كروح أو كوعي لا متناهي، وبين الجسد والأفكار والمشاعر والآلام. هذه مجرد مقترحات وهناك العديد من الطرق التي ينبغي عليك استكشافها أنت بنفسك.


حين نقوم بذلك وبغيرها من تمارين الوعي والاستكشاف الداخلي يمكن لنا الحصول على إجابة عن سؤال لماذا الحياة قاسية، وكيف يمكنني التعامل معها.

54 عرض0 تعليق