بحث

الوعي بتجربة الوجود

حين نسأل ما طبيعة هذا الذي نسميه الوعي سنجد أننا نحن بكل وضوح هو ذلك الوعي العارف، أو الواعي بتجربة الوجود. أنت حين تسمع صوتاً، تكون الواعي بذلك الصوت. وفي مجال الرؤية، فعلى سبيل المثال، أنا هو الواعي للمنظر الموجود خارج النافذة والذي أراه أمامي بينما أكتب هذه السطور. أنا الواعي بأفكاري، الواعي بأحاسيس جسدي، وبكل هذه الأشياء من حولي.

تجربة الحضور هذه بالوعي بالأشياء وبالموجودات هي التجربة المستمرة والحية، والتي لا تنتهي. هذه التجربة أهم تجربة لدينا. الوعي بالوجود.

إنها التجربة البسيطة بأن تكون واعياً. هذه هي التجربة الوحيدة التي لا تذهب أو تختفي عنّا ما دمنا في يقظتنا، أي لم نكن نياماً أو غائبين عن الوعي أو أمواتاً. هذه التجربة لا تتغير. هذه التجربة الوحيدة التي لا تنمو أو تكبر أو تشيخ. إنها دوماً موجودة لدينا.

هذه التجربة أيضاً ليس بالضرورة لها غرض أو هدف. هي كذلك لا يمكن تعريفها لأنه ليس لها موضوع محدد أو غرض محدد. مع هذا هي، في الحقيقة، واقع معاش، فلا يمكن لأي شخص إنكار أنني واعٍ الآن.

التجربة الواعية التي تسمى الوعي Consciousness أو Awareness .

إن جهلنا بحقيقة أننا نحن تجربة الوجود هذه هو سبب الشقاء. نحن نتماهى مع الإيغو أو الأنا المزيفة، ونعتبر أننا الشخص الذي له اسم أو منصب أو وظيفة اجتماعية، وننسى أننا الوعي، أو الروح خلف هذا الشخص.

هذا الجهل كذلك يؤجج عند بعض البشر الكثير من الغرور. غرور الأنا الأنانية أو (الإيغو) المتغطرس الذي يعتبر أنه شيء هام جداً، وبدونه لن تمضي الأمور، أو لن تمضي الحياة.

نحن جئنا إلى هذا الوجود ولكل منّا هدف، لكننا لسنا بالضرورة أهم من الوجود. لقد وصل الإنسان إلى مستوى هستيري من الغطرسة والتكبر والغرور والعنجهية. إنه يصنع الأسلحة التدميرية ليدمر، ليس فقط من يرى أنهم أعداءه، بل على استعداد ليدمر كل شيء يسير على هذه الأرض.

أصبح الإنسان أخطر شيطان في الوجود، لأنه ينسى حقيقته الروحية، ويعيش ليتغذى على ذاته الأنانية. نحن نعتبر أن الحيوانات جاهلة، وتعيش وفق غريزة البقاء فقط، وأن ليس لها وعي، ولا عقل. لكن الحقيقة هي أن الإنسان تحول إلى ما هو أشرس من الحيوان. أصبحنا وكأننا نعيش في غابة، نريد أن نتفوق على الآخرين. ونصارعهم، ولا ضير من تدميرهم، وتدمير الطبيعة من حولنا، لننفرد بالبقاء. ليس للحيوانات هذه العنجهية والأنانية والنزعة التدميرية الموجودة لدى الإنسان.

إن إدراك تجربة الأنا الواعية بالوجود هي الوسيلة الوحيدة للتخلص من هذه الشرور. حين أدرك أن وجودي مرتبط بالآخر المختلف عني فإنني غير مضطر لصنع الأسلحة التدميرية لمحاربته وازالته من الوجود. حين أدرك أن الأشجار في الغابات هي مصدر الاوكسجين، والهواء النقي على هذا الكوكب وأنها لن تعود إلى النمو إلا بعد آلاف السنين، سأتوقف عن قطعها واستهلاكها.

علينا إدراك حقيقة أن ما نسميه (أنا) كشخص هو برمجة ذهنية تمت لنا. حين نسقط هذا المفهوم من عقلنا، وندرك أننا الروح والوعي الذي لا شكل له، وأنه لا يحتل حيز مكاني ولا يشغل وقتاً زمنياً نستيقظ على حقيقة تجربة الوجود والتي هي بالنهاية نحن في جوهرنا.

إذن عندما ندرك حقيقتنا، ندرك الحقيقة المطلقة، وعندما ندرك الحقيقة المطلقة ندرك أنفسنا. هذا الإدراك هو الوعي، وهو ليس المعرفة من خلال المعلومات أو الحقائق العلمية. والسبب لأن هذه المعرفة البشرية محدودة بعقل ولغة ومكان وزمان.

يذهب الفلاسفة إلى أننا لا يمكن لنا أن نعرف أنفسنا من خلال هذه الأدوات لأن النفس لا تستطيع أن ترى ذاتها. لا توجد مرآة تعكس هذا الوعي. نحن لا يمكننا أن نرى أنفسنا كأجساد إلا في المرآة أو من خلال كاميرا التصوير. العين لا تستطيع أن ترى نفسها، والأنف لا يستطيع أن يشم رائحته.

إن إسقاط مفهومنا الذهني عن أنفسنا يجعلنا نفيق على ذاتنا ثم نفيق على حقيقة وجودنا. بهذا نتخلص من التشخيص النفسي لأنفسنا ونصل إلى جوهرنا الحاضر والدائم واللا نهائي.

نحن نحتاج للشخصية وهذه الأنا، ولكن وجودها مرتبط بتحقيق غايات العيش المادي والذهني خارجي في الوجود. في النهاية لا نستطيع إلا أن نعود ونستخدم الكلمات فأقول أنا، أو أنا الواعي. هذه كلمات أو مصطلحات نحتاجها، لنعيش في إطار "الشكل". لكن التجربة الحقيقية كوعي توجد حية ونابضة دوماً بداخلنا. بهذا الوعي نحن ننظر من داخلنا إلى الخارج وليس من خارجنا إلى الداخل.

من الذي ينظر خلف عينينا؟ ما يوجد خلف هاتين العينين، هي ذلك الوعي اللانهائي واللامحدود. ليست أعيننا إلا عدسات ينظر من خلالها وعينا إلى ذاته. خلف هذه العدسات يوجد الوعي التام واللا نهائي.

ختاماً، هذه النظرة، توجد لدى العارفين والمستيقظين روحيا والمستنيرين، ولا يمكن أن يدركها من لا يجرب يقظته الروحية حين يسير على دروب الاستنارة.




21 مشاهدة0 تعليق